ابن عطية الأندلسي
246
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
والتأويل الثاني وهو قول مالك : ان مِنْ يراد بها الولي ، و عُفِيَ بمعنى يسر لا على بابها في العفو ، والأخ يراد به القاتل ، و شَيْءٌ هي الدية ، والأخوة على هذا أخوة الإسلام ، ويحتمل أن يراد بالأخ على هذا التأويل المقتول أي يسر له من قبل أخيه المقتول وبسببه ، فتكون الأخوة أخوة قرابة وإسلام ، وعلى هذا التأويل قال مالك رحمه اللّه : إن الولي إذا جنح إلى العفو على أخذ الدية فإن القاتل مخير بين أن يعطيها أو يسلم نفسه فمرة تيسر ومرة لا تيسر ، وغير مالك يقول : إذا رضي الأولياء بالدية فلا خيار للقاتل بل تلزمه ، وقد روي أيضا هذا القول عن مالك ورجحه كثير من أصحابه . والتأويل الثالث أن هذه الألفاظ في المعينين الذين نزلت فيهم الآية كلها وتساقطوا الديات فيما بينهم مقاصة حسبما ذكرناه آنفا ، فمعنى الآية فمن فضل له من الطائفتين على الأخرى شيء من تلك الديات ، ويكون عُفِيَ بمعنى فضل من قولهم عفا الشيء إذا كثر أي أفضلت الحال له أو الحساب أو القدر . والتأويل الرابع هو على قول علي رضي اللّه عنه والحسن بن أبي الحسن في الفضل بين دية المرأة والرجل والحر والعبد ، أي من كان له ذلك الفضل فاتباع بالمعروف ، و عُفِيَ في هذا الموضع أيضا بمعنى أفضل ، وكأن الآية من أولها بينت الحكم إذا لم تتداخل الأنواع ثم الحكم إذا تداخلت ، و شَيْءٌ في هذه الآية مفعول لم يسم فاعله ، وجاز ذلك و عُفِيَ لا يتعدى الماضي الذي بنيت منه من حيث يقدر شَيْءٌ تقدير المصدر ، كأن الكلام : عفي له من أخيه عفو ، و شَيْءٌ اسم عام لهذا وغيره ، أو من حيث تقدر عُفِيَ بمعنى ترك فتعمل عملها ، والأول أجود ، وله نظائر في كتاب اللّه ، منها قوله تعالى : وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً [ هود : 57 ] ، قال الأخفش : التقدير لا تضرونه ضرا ، ومن ذلك قول أبي خراش : [ الطويل ] فعاديت شيئا والدّريس كأنّما * يزعزعه ورد من الموم مردم وقوله تعالى : فَاتِّباعٌ رفع على خبر ابتداء مضمر تقديره فالواجب والحكم اتباع ، وهذا سبيل الواجبات كقوله تعالى فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ [ البقرة : 229 ] ، وأما المندوب إليه فيأتي منصوبا كقوله تعالى فَضَرْبَ الرِّقابِ [ محمد : 4 ] ، وهذه الآية حض من اللّه تعالى على حسن الاقتضاء من الطالب وحسن القضاء من المؤدي ، وقرأ ابن أبي عبلة « فاتباعا » بالنصب . وقوله تعالى : ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ إشارة إلى ما شرعه لهذه الأمة من أخذ الدية ، وكانت بنو إسرائيل لا دية عندهم إنما هو القصاص فقط ، والاعتداء المتوعد عليه في هذه الآية هو أن يأخذ الرجل دية وليه ثم يقتل القاتل بعد سقوط الدم واختلف في العذاب الأليم الذي يلحقه : فقال فريق من العلماء منهم مالك : هو كمن قتل ابتداء إن شاء الولي قتله وإن شاء عفا عنه ، وعذابه في الآخرة ، وقال قتادة وعكرمة والسدي وغيرهم : عذابه أن يقتل البتة ولا يمكن الحاكم الولي من العفو ، وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : نقسم أن لا يعفى عن رجل عفا عن الدم وأخذ الدية ثم عدا فقتل ، وقال الحسن : عذابه أن يرد الدية فقط ويبقى إثمه إلى عذاب الآخرة ، وقال عمر بن عبد العزيز أمره إلى الإمام يصنع فيه ما رأى . وقوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ نحوه قول العرب في مثل : القتل أوقى للقتل ، ويروى :